ابن حمدون

30

التذكرة الحمدونية

بما تهيأ له عليّ ، وتتنقّصني وتثلبني وتشمتمني وتحتال في أن تسمع منه الأصوات وتأخذها ولك كل ما تحبّه من جهتي من عرض من الأعراض مع رضاء الخليفة إن شاء اللَّه . قال : فمضى من عنده فاستأذن على ابن جامع فأذن له ، فدخل عليه وقال : جئتك مهنّئا بما بلغني من خبرك ، والحمد اللَّه الذي أخزى ابن مفاضة [ 1 ] على يدك ، وكشف الفضل في محلَّك من صناعتك . قال : وهل بلغك خبرنا ؟ قال : هو أشهر من أن يخفى على مثلي ، قال : ويحك ! إنّه يقصر عن العيان ، قال : أيّها الأستاذ ، سرّني بأن أسمعه من فيك حتى أرويه عنك وأسقط بيني وبينك الأسانيد . قال : أقم عندي حتى أفعل ، فقال : السمع والطاعة . فدعا ابن جامع بالطعام فأكلا ، ثم دعا بالشراب ، ثم ابتدأ وحدّثه بالخبر حتى انتهى إلى خبر الصوت الأول ، فقال له الزّفّ : وما هو أيّها الأستاذ ؟ فغنّاه ابن جامع إيّاه ، فجعل محمد يصفّق وينعر ويشرب وابن جامع مجتهد في شأنه حتى أخذه . ثم سأله عن الصوت الثاني فغنّاه إيّاه ، وفعل مثل فعله في الصوت الأول ، وكذلك في الصوت الثالث . فلما أخذ الأصوات وأحكمها قال له : يا أستاذ ، قد بلغت ما أحبّ ، فأذن لي في الانصراف ، قال : إذا شئت . فانصرف محمد من وجهه إلى إبراهيم ، فلما طلع من باب داره قال له : ما وراءك ؟ قال : كلّ ما تحبّ ، ادع لي بعود . فدعا له به فضرب وغنّاه الأصوات ، فقال إبراهيم : هي وأبيك ! هي بصورها وأعيانها ، ردّدها عليّ ، فلم يزل يردّدها حتى صحّت لإبراهيم . وغدا إبراهيم على كبر سنّه ، فلما دعي بالمغنّين دخل فيهم . فلما بصر به قال له : أو قد حضرت ! أو ما كان ينبغي لك أن تجلس في منزلك شهرا بسبب ما لقيت من ابن جامع ؟ قال : ولم ذاك يا أمير المؤمنين جعلني اللَّه فداءك ؟ واللَّه إن أذنت لي أن أقول لأقولنّ . فقال : وما عساك أن تقول ؟ فقال له : ليس لي ولا